القاضي التنوخي
67
الفرج بعد الشدة
أنّ الأفشين « 1 » كان أغرى المعتصم بأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي « 2 » ، لعداوة كانت بينهما « 3 » ، فسلّمه إليه المعتصم ، فأجمع على قتله من يومه ذاك . وبلغ الخبر أبا دلف ، فارتحل إلى ابن أبي دؤاد ، فاستجار به ، وعرّفه ما قد أشرف عليه . فجاء ابن أبي دؤاد إلى المعتصم ليسأله عن أمره ، فوجده نائما ، فكره أن
--> ( 1 ) أبو الحسن خيذر بن كاوس ، الملقّب بالإفشين : من أعاظم القوّاد في الدولة العباسيّة ، أصله من أشر وسنة ، وهو الذي أخمد ثورة بابك الخرميّ ، اعتقله المعتصم في السنة 225 ، واتّهم بالخيانة ، وحوكم ، ثم أخرج ميتا ، فصلب بباب العامّة في السنة 226 راجع تفاصيل محاكمته في الطبري 9 / 104 - 114 والكامل لابن الأثير 6 / 510 - 518 والعيون والحدائق 404 - 407 ، وكان طاغية ، لجوجا ، شديد العربدة ، راجع في وفيات الأعيان 1 / 388 قصّته مع إبراهيم بن المهديّ . ( 2 ) أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجليّ : أمير عربي ، قائد ، شجاع ، جواد ، شاعر ، فارس ، موسيقي ، قلّده الرشيد أعمال الجبل ، وارتفع شأنه في عهد المأمون والمعتصم ، توفّي سنة 226 ( الأعلام 6 / 13 ) ، طعن مرّة فارسا فنفذت الطعنة فيه وفي آخر وراءه رديفه ، فقتلتهما معا ، فقال بكر بن النطّاح [ وفيات الأعيان 4 / 75 ] قالوا وينظم فارسين بطعنة * يوم الهياج ولا تراه كليلا لا تعجبوا فلو انّ طول قناته * ميلا ، إذن نظم الفوارس ميلا وكان أبو عبد اللّه بن أبي دؤاد ، قاضي القضاة ، ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا ، فأعلمه المعتصم ، أنّ صديقه أبا دلف يغنّي ، فقال : ما أراه - مع عقله - يفعل ذلك ، فستر أحمد بن أبي دؤاد في موضع ، وأحضر أبا دلف ، وأمره أن يغنّي ، ففعل ذلك ، وأطال ، ثم أخرج أحمد بن أبي دؤاد عليه من موضعه ، والكراهة ظاهرة في وجهه ، فلما رآه أحمد قال : سوأة لهذا من فعل ، بعد هذا السنّ ، وهذا المحلّ ، تضع من نفسك كما أرى ؟ فخجل أبو دلف ، وتشوّر ، وقال : إنّهم أكرهوني على ذلك ، فقال : هبهم أكرهوك على الغناء ، أفأكرهوك على الإحسان والإصابة ؟ ( الأغاني 8 / 251 ) . ( 3 ) وردت مقدمة القصّة في وفيات الأعيان 1 / 82 كما يلي : كان الأفشين يحسد أبا دلف ، للعربية ، والشجاعة ، فاحتال عليه حتى شهد عليه بجناية وقتل ، فأخذه ببعض أسبابه ، فجلس له وأحضره ، وأحضر السيّاف ليقتله ، فبلغ ابن أبي دؤاد الخبر ، فركب من وقته . . . الخ .